الجزائر في 14 أكتوبر /العُمانية/ مع أنّ أبا محمد عبد الله بن المقفّع (106- 142 هـ/ 724- 759م)، لم يُعرف عنه أنّه كتب مقامات، واشتهر بترجمته لكتاب (كليلة ودمنة) عن الفارسية، ومع أنّ بديع الزمان الهمذاني (358- 398 هـ/ 969- 1008م)، هو من اشتهر بكتابة المقامات، إلا أنّ القاصّ الجزائري عبد الحميد مشكوري جمع بينهما، أو ربّما أشار تلميحًا إلى ابن المقفع والهمذاني، في كتابه الذي صدر عن دار ساجد للنشر والتوزيع بالجزائر، تحت عنوان "مقامات ابن المقفع.. هكذا علّمنا ابن المقفع أن نكتب".
هذا الكتابُ، بحسب مؤلّفه، هو عبارة عن مجموعة من المقامات، من حيث الشّكل، جعل لها الكاتبُ راويًا واحدًا في شخصه، مُتعدّدًا في أسمائه، حتى يتعرّف القارئُ على أسماء الذئب المتداولة عند العرب قديمًا، ولا يتسرّب إليه الملل وهو يردّد نفس الاسم، وفي ختامها ينهيها الكاتب بمقولة قد تكون حكمة، أو مثلًا، أو عبارة ذات قيمة أخلاقية أو اجتماعية.
وتدورُ أحداث هذه المقامات في الغابة؛ ومفهوم الغابة عند الكاتب فضفاضٌ، يتمدّد ويتقلّص حسب الوقائع التي يرويها الكاتب؛ فقد يقصدُ بها قريته التي وُلد ونشأ وترعرع فيها، وقد تكون مدينته التي يعيش فيها، وقد يتّسع مفهوم الغابة إلى أن تصبح هي وطنه الذي ينتسب إليه، ومن باب الإنسانية قد تكون الغابة هي كلّ المعمورة.
وتتقمّصُ الحيواناتُ دور الشّخصيات، وقد وظّفها الكاتبُ لأسباب كثيرة، أهمُّها الزيادة في عنصر مفاجأة القارئ وتشويقه لتوليد الرغبة في ربط الأحداث بمن يقوم بها من تلك الشخصيات في انسجام وتفاعلية. أمّا السبب الثاني لاختيار لسان الحيوان هو الناطق في مقامات الكاتب، فهو التحرُّر من تقييد الأحداث بزمن مُعيّن أو بشخص لذاته لضمان استمرارية الصلاحية مع النسق الإسقاطي التفاعلي للقارئ كلّما ربط أحداث الواقع المعيش بواقع الأحداث في مقاماته.
أمّا من ناحية أفكار المقامات، فهي حديثةٌ حداثة الظواهر السلبية، أو المواقف الإيجابية، أو المحطات الراسخة التي يستمدُّ منها المجتمع قيمه ومبادئه الثابتة التي يسعى الكاتبُ إلى توضيحها وترسيخها وفق الثوابت الوطنية والقيم الإنسانية من خلال مقاماته؛ فهي إصلاحية في قالب نقد بنّاء، بقدر ما هي أدبية بأسلوب شيّق لا يخلو من المتعة والفكاهة، ويظهر ذلك جليًّا من خلال الصُّور البلاغية والمحسّنات البديعية، وخاصّة الطباق والجناس والسّجع، ممّا جعل سرد الأحداث في هذه المقامات جذّابًا بشكل ملفت للنظر في غالبية النُّصوص.
ويبدو عبر صفحات هذه المقامات، الحافلة بالقصص الطريفة، مدى تأثُّر الكاتب والقاصّ الجزائري، عبد الحميد مشكوري، بأساليب الكتابة العربيّة القديمة، والتي تجلّت في أدب المقامة، وأيضا في أسلوب ابن المقفّع الذي نسج القصص الجميلة على ألسنة الحيوانات، وهي الطريقة التي أحدثت ثورة حتى في الآداب الأوروبية التي جاءت بعد ذلك بقرون طويلة، خاصّة لدى جان دي لافونتين (1621/ 1695)، الذي يعد أشهر كاتب قصص خرافية تدور أحداثها على ألسنة الحيوانات والطيور في تاريخ الأدب الفرنسي.
يُشارُ إلى أنّ، عبد الحميد مشكوري، مؤلّف هذه المقامات، من مواليد 1963 بولاية بسكرة (جنوب الجزائر)، وهو يكتب الشعر الحر والرواية، وله في ذلك عدّة مؤلفات، أبرزُها دواوينه الشّعرية "أنين الأجراس"، و"نزيف البوح"، و"بقع من الأحلام" و"إلياذة الجزائر"، و"المرجان في ترتيب سور القرآن"، و"صرخة تحت جحيم الكوفيد"، و"ابن الجنية" (رواية).
/العُمانية/النشرة الثقافية/طلال المعمري
