الجزائر في 25 سبتمبر /العُمانية/ على مدى 136 عامًا، ظلّت منطقة "تاقدمت" بتيهرت ، مركزًا للدولة الرستمية، وعاصمة لها، ما بين أعوام (160 ـ 296هـ / 777 ـ 909م)، كما كانت، بعد ذلك، عاصمة لدولة الأمير عبد القادر (1832-1847م)، وضمّت المساجد، والمدارس، ودور الحكومة، والقصور، والحمامات، والخانات الواسعة، والفنادق الرحبة، فضلًا عن المتاجر، والأسواق، والمصانع، وقد بلغت من الحضارة مبلغًا عظيمًا صوّره أحمد بن أبي يعقوب في كتاب "البلدان" عندما وصفها بالقول "المدينة العظمى مدينة تيهرت جليلة المقدار عظيمة الأمر"، إلّا أنّ كلّ تلك البنايات والعمائر ذهبت أدراج الرياح، وبقي البعض منها متناثرًا هنا وهناك، على ربوتين متقابلتين، يصل ارتفاع أحدهما إلى 862 مترًا عن مستوى سطح البحر، والأخرى لا يتجاوز ارتفاعها 850 مترًا.
وتؤكّد المراجع التاريخيّة أنّ عبد الرحمن بن رستم، لمّا عزم على بناء دولته بتيهرت، رأى في هذه المنطقة كلّ مُقوّمات النجاح لتجسيد طموحه في إرساء دعائم دولة إسلامية بالمغرب العربي، قوامُها العدل والمساواة، وتطبيق أحكام الشريعة، بما يُوافق كتاب الله، وسنة نبيّه ورسوله محمد بن عبد الله، عليه الصلاة والسلام، وبعد تشاور مع أصحاب الأرض من قبائل مختلفة، بدأ في تشييد عمائر ومنشآت، منها ما هو ديني، وما هو مدني وعسكري، غير أنّ أوّل مبنى انطلق في تشييده هو المسجد الذي أراد له أن يكون قلب المدينة، ونواتها، وقلعة الدين الحصينة، هذا المسجد كان بداية لمساجد أخرى شُيّدت بمدينة تيهرت الرستمية، كما تشير تلك المصادر إلى وجود مسجدين جامعين بُنيا بالحجارة والجير، وهما قريبان من الأسواق، ومن دروبها الأربعة المعروفة "درب مجانة، ودرب المعصومة، ودرب حارة الخفي، ودرب البساتين". وقد كانت المساجد في تيهرت موصولة بميضأة فيها النظافة التامّة، والماء الساخن، والمغاسل الحصينة الطاهرة، ولا تزال هذه العادة موجودة بمنطقة بني ميزاب بالجنوب الجزائري.
وتُشير د. فاطمة جلجال، المُختصّة في علم الآثار، إلى أنّه لم يبق من تلك العمارات الدينية بمنطقة تاڨدمت، سوى معلم وحيد، وهو موجود في الموقع الأثري يُرجّح أنّه مصلّى جنائزي، وهذا بحكم وجوده بعيدًا عن المدينة من جهة، وقربه من مقبرة المدينة من جهة ثانية.
وتُبيّنُ بعضُ الدراسات الأثرية، التي أُجريت بمنطقة "تاقدمت"، وجود أكثر من 12 حمّامًا، ولا يزال الموقع الأثري يحتفظ بأحد نماذجها، وهو عبارة عن هيكل معماري موجود في الجهة الشمالية للموقع، ينفتح مدخله على غرفة مستطيلة (5.80 متر ×1.85 متر)، متّصلة بغرفة أخرى ممتدّة عكس سابقتها، وهي ذات أرضية مبلّطة تحتوي على فتحة مربّعة تُمكّن من مشاهدة مستوى أرضي أعمق من المستوى المبلّط، وتتّصل بدورها بغرفة أخرى مُكوّنة من مستويين بعمقين مختلفين.

ومن أهمّ الصفات التي تميّزت بها الحواضرُ والمدن القديمة، وجودُ الأسوار المرتفعة التي تحتمي بها من الهجمات الخارجية، ويعدُّ السُّور المحيط بمدينة تيهرت من أهمّ الرموز الدفاعية التي كانت تُوفّر المنعة الأمنية، والحصانة العسكرية للسكان، إذ يضمُّ أبراجًا للمراقبة، وأبوابًا للدخول والخروج، ولم يتبقّ من هذا السُّور، بفعل عاديات الزمن، سوى جزء بسيط في أقصى الجهة الشمالية الغربية من الموقع الأثري، على بعد 38 مترًا، شرق بقايا الحمّام، تتّجه أطلاله من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي، على امتداد 5 أمتار، وبعلوّ 1.25 متر، كما أنّ السُّور كان محصّنًا بأبراج ذات قاعدة على شكل مضلّع الزوايا بدعائم مربّعة، يبلغ طول ضلعها 5 أمتار، لكنّ هذه الأبراج اندثرت، ولم يتبقّ منها سوى برج واحد في الجهة الشمالية الشرقية من الموقع الأثري، أمّا بخصوص الأبواب التي كانت تتخلّله فعددُها أربعة، وهي: باب الصفا، وباب الأندلس، وباب المطاحن، وباب المنازل.
وتكشفُ الدراسات الأثرية أنّ عمال ومهندسي البناء -خلال حكم الدولة الرستمية بتيهرت- استخدمُوا تقنيات ومواد مختلفة في تشييد عمائر المدينة، وهي على ثلاثة أنواع؛ أوّلها الحجارة، التي كانت منتشرة بكثرة في تلك المنطقة، وهي على نوعين؛ الكلسية، والرملية، إضافة إلى مادة الآجر التي بيّنت الدراسات وجود عيّنة منها بالقرب من الحمّام، وهي بلونين مختلفين، أحمر، ووردي، وبشكلين مختلفين باختلاف سمكها المتراوح بين 3 إلى 4 سنتيمترات، في حين قُدِّر طولها بـ 27 سنتيمترًا غالبًا، ولا يكاد عرضُها يزيد عن 12 سنتيمترًا إلا نادرا، كما وُجدت عيّنة ثانية بالقرب من المعلم الموصوف بالمسجد، وهي تختلف عن العيّنة الأولى، إذ يُقدّر طولُها 22 سنتيمترًا، وعرضها 11 سنتيمترًا، بينما يتراوح سمكها، ما بين 4 و 6 سنتيمترات، كما تمّ استعمال ملاط البناء، وهو على نوعين؛ الأول يتكوّن من طين خالص تمّ استعمالُه في بقايا السُّور، والجدران الخارجية للحمّام، أمَّا الثاني فهو ملاط من طين ممزوج بالجير والفخار، اُستعمل في ربط وحدات برج المراقبة، وتلبيس الجدران الداخلية للحمّام .
/العُمانية/ النشرة الثقافية/ طلال المعمري
