الأخبار

"عيون الغرقى" لحسين جلعاد.. قصص عن الخسارات
23 يناير 2023

عمّان في 23 يناير /العُمانية/ يشعر القارئ وهو يقرأ قصص حسين جلعاد في مجموعته "عيون الغرقى" أن ثمة خسارة ما، دون أن يعرف ما الذي فُقِد بالضبط، وأن هذه الحكايات ليست إلا جوقة من المراثي في أرض صغيرة من التجارب والذكريات التي أصبحت نائية.

يهدي جلعاد كتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، إلى مدينته، إربد، دون أن يذكر اسمها، لكن القارئ قد يسأل نفسه: لمَ يهدي الكاتب مدينةً وليس إنسانًا؟ فيردّ البطل (عدنان أيوب) في قصة "نعناع المصاطب" المتضمَّنة بالمجموعة على هذا السؤال بقوله:

"إربد التي أغوته يومًا بعشق المدائن فوجد نفسه فيما بعد متورطًا بضجيج الإسمنت والمدن الكبرى. وهو لم يدرك مدى تعلقه بإربد إلا حين غادرها، تلك التي يألفها الجميع بسرعة -أو يظنون ذلك- بيد أنها تستعصي على الإتيان بتلك المجانية والتسطيح. وحدهم من تشكلوا في الأزقة والشوارع يعرفون أيّ أمان هي جدرانها. وهم وحدهم من يعرفون أيّ ذاكرة لقطط الليل".

ثمة هاجس واضح بالمكان والزمان يظهر في التفاصيل، بدءًا من عناوين القصص التي إما أن تشير إلى زمان (المساء والخريف) أو إلى مكان (الإسفلت والبيت والبحر). فعناوين القصص محملة بالمعاني؛ سواء أكانت في محاولته موسقة الماضي أو ترتيبه في تتابعٍ ما ووضعِ منطقٍ رتميّ لتذكره، أو بالاستخدام القصدي للغةٍ تعيدنا إلى عناوين الكتب الرومانسية القديمة، دون أن ينسحب ذلك على متن القصص نفسها.

يمثل "عدنان أيوب" شخصية المثقف والفنان التشكيلي الذي يعيش في أزمة لا أحد يعرف حجمها ولا سببها. إنه الشخصية التي تمتد مشاعرها وأفكارها إلى ما وراء الخسائر الملموسة والتجريبية للكائن الفردي وتصير إحساسًا بالانحدار الثقافي والتوق إلى الماضي. يتصرف البطل بعصبية ويعترض على كل شيء، بينما يعيش محاكمة مستمرة على طريقة بطل كافكا، الفرق أنه هو من يجر نفسه والآخرين إلى هذه المحاكمة.

وفي قصة "الإسفلت والمطر"، يريد الطفل بائع العلكة الدخول إلى الجامعة ليفتش في حاويتها عن طعام، وفي قصة "بويا" يحلم الطفل ماسح الأحذية بالزبائن في الجانب الثري من المدينة بعيدًا عن قاعها. ولا يحاول القاص تصوير هذه الشخصيات على أنها بائسة أو منكسرة، بل إنه يكتفي بأن يقدمها في لحظتها المغامرة أو كشاهدة على موقف يبرهن لها على سخرية الحياة.

يتنازع شخصياتِ جلعاد القصصية عالمان: الطفولة والرشد؛ المراهقة والنضج؛ الفقر والثراء؛ المثقف الذي يشعر بأن العالم المحيط به ليس إلا مجموعة من الأصوات النشاز، والشخصيات المحاذية له من أصدقاء ومعارف.

/العُمانية/النشرة الثقافية/عُمر الخروصي