الأخبار

الطفل العربي وعلاقته بالمسرح
 الطفل العربي وعلاقته بالمسرح

مسقط في 14 مارس /العمانية/ يبدو أن مسألة تواصل الطفل مع المسرح في الوطن العربي أمر نسبي، وبه تفاوت إلى حد كبير مع تلك الأعمال المسرحية التي تجسد أفكاره وتفتح نوافذ التساؤلات لديه ضمن سياقات ورؤى فنية متعددة.

وقد أشار عدد من المختصين من سلطنة عُمان والوطن العربي إلى هذا الأمر من خلال آراء متعددة، خاصة فيما يتعلق بالتواصل من عدمه مع مفردات المسرح.

في هذا السياق تقول فاطمة بنت سعيد الزعابية، وهي مختصة في مسرح وأدب الطفل في سلطنة عمان: تتنوع الجهود على مختلف المستويات والصعد في تعزيز دور مسرح الطفل على المستويين المحلي والعربي؛ ما انعكس على تواصل الطفل بهذا الفن الدرامي التفاعلي الذي يشخص الواقع بلغة حوارية سهلة، وفي الوقت ذاته ينظر العديد من المربين والمهتمين لمسرح الطفل أنه من أهم أركان التربية الحديثة، فهو يحقق العديد من الأهداف التربوية، والتعليمية، والنفسية، والمعرفية، ومن مقوماته أنه أنسب الأشكال الفنية للتواصل مع الطفل والتعبير عن عالمه، حيث نجد المسرح يتقاطع مع شخصية الطفل في نقاط عديدة كالتقمص والتقليد والتفاعل، والدهشة، والحوار، والحركة، والفكاهة.

وتشير الزعابية إلى أن المسرح استطاع جذب الأطفال - في ذروة الاهتمام به- ؛ لسهولة الحبكة ووضوح الشخصيات وأدوارها، إضافة لسير الأحداث من البداية المشوقة ثم الانتقالات حتى النهاية، ممزوجا بالفكاهة والإثارة، إضافة للديكور والملابس والإضاءة، ما ساعد على إثارة فضول الطفل وشد انتباهه، وكونه فنا موجها لفئة الطفولة على اختلاف مراحلها، فمن المهم مراعاة خصائصهم سواء على مستوى الحبكة، أو تصاعد الأحداث، أو الديكور، أو الشخصيات والنهاية، ومسايرة ثورة التطبيقات والألعاب التفاعلية الجماعية، التي جعلت الطفل عالقا في عالم افتراضي يغذي شغفه في التواصل والحركة وتقمص أدوار مختلفة، أما ما نراه وما نلاحظه في الساحة الثقافية فإن مسرح الطفل بالكاد يأخذ مساحة بسيطة من الاهتمام ممثلة في تقديم عروض مسرحية مرتبطة بالمناسبات؛ ونادرا ما يسمع الطفل بعروض مسرحية تعالج أفكارا غير الحكايات القديمة المتكررة، وإذا تم الإعلان عنها في فرصة الحضور تكاد تكون ضئيلة لأسباب عديدة منها تواضع الدعم لهذا الفن.

وللمخرج العراقي حسين علي صالح رأي في هذا السياق، كونه مدير الفرقة الوطنية لمسرح الطفل ورئيس فرقة المسرح الجوال العراقية وهنا يشير إلى أن مسألة تواصل الطفل مع المسرح تخضع لمستلزمات عديدة يجب توفرها لكي يحصل هذا التواصل وهذه المستلزمات تتفاوت نسب توفرها من بلد لآخر فنجد أن كثيرا من البلدان العربية تعير اهتماما لهذا الموضوع أي توفر الأرضية الصحيحة لإنتاج عروض مسرحية تجعل الطفل ينجذب ويتفاعل.

ويضيف صالح: أعتقد أن هذه المستلزمات تعود إلى خلفية الثقافة التي تتمتع بها المؤسسات الداعمة في البلدان العربية، فنجد مثلا بلدا مثل تونس على سبيل المثال تعير هذا الموضوع اهتماما كبيرا وترصد له الميزانيات الكبيرة من خلال توفير العروض المسرحية وإقامة المهرجانات السنوية الدولية والمحلية، وهذه بالنتيجة تولد ثقافة عالية لدى الطفل التونسي وتجعله يسارع إلى الاهتمام والتواصل مع هكذا أنشطة ثقافية وأدبية في حين نرى تراجعا واضحا للكثير من أطفال الوطن العربي بهذا المجال بل إن البعض منهم لا يعرف ما هو المسرح وماذا يقدم فيه، والبعض الآخر يقدم عروضا خاصة بالطفل إلا أنها تكاد تكون بعيدة من توجهات وتطلعات الطفل فيغلب على هذه العروض الاستعراضات والرقص والإيقاع الغربي وتتناسى الحكاية وبناؤها التصاعدي، فمسرح الأطفال يعد من الضروريات التي يجب توفرها في تنشئة وبناء الطفل، فهو كائن حركي يتمتع بخيال خصب وهاج، بالتأكيد سيتفاعل مع العروض التي تشبع رغبته في التفاعل والانسجام والمعرفة.

ويشير رئيس فرقة المسرح الجوال العراقية إلى أن تواصل الطفل مع المسرح يعود إلى التأسيس الصحيح لثقافة الطفل من قبل المؤسسات المعنية في البلدان العربية وهذا بالتأكيد فيه تفاوت كبير بين بلد وآخر، ومن خلال متابعتي واهتمامي فيما يقدم من عروض مسرحية وسينمائية خاصة بالطفل أجد أن القليل من دولنا العربية تعير اهتماما لثقافة الطفل وهذا بالتأكيد ليس صحيحا فتنشئة الطفل وبناؤه وإعداده بالشكل الصحيح هو ما يجعل وطننا العربي مستقرا ومتقدمة وزاخرا لأن الأطفال هم المستقبل وهم من يقودون هذه البلدان.

وفي الشأن ذاته يقول عبد الله بن خليفة الحراصي عضو فرقة مسرح هواة الخشبة إن مسرح الطفل من أهم المسارح التي يجب الاهتمام بها كونه مسرحا تعليميا وتثقيفيا وتربويا، كما يُعد من أهم الوسائط الثقافية في تربية الطفل، لما يتضمنه من معان وقيم وأنماط جمالية، تعمل كلها على بلورة شخصيته، وتفتق جوانبها الذهنية والجسدية والعاطفية.

ويشير الحراصي إلى أن واقع الطفل وعلاقته بالمسرح بحاجة إلى انتشار نوعي أكثر ليكون حاضرا في المجتمع وضمن ثقافة أولياء الأمور، فنشر الوعي عن المسرح وأهدافه للأطفال في المدرسة على سبيل القول أمر ضروري، بحيث يتم تخصيص مادة /المسرح/ مثل بقية المواد، ولا نخفي قولا إن الطفل في سلطنة عُمان شغوف بالمسرح، لكنه بحاجة للمزيد من العروض والمهرجانات المسرحية، والتفاعل مع المسرحيين والممثلين، مع تأهيل الطفل ليكون حاضرا في التمثيل في العروض المسرحية حتى يؤسس لجيل مسرحي واعد يحب المسرح ويبدع فيه.

ويقدم الحراصي مثالا على تواصل الطفل مع المسرح عموما ويقول: خلال مشاركتي في المهرجان الدولي لمسرح الطفل بالمملكة المغربية لتقديم مسرحية بنت لصياد للكاتب عبد الرزاق الربيعي، والمخرج خليفه الحراصي، رأيت أن الأطفال وعائلاتهم ضمن أجواء المهرجان وهناك حرص على حضور العروض المسرحية، كما أن الطفل يشارك الممثل في الحوار وإحساسه، ويشرح المسرحية بعد كل عرض حسب فهمه ويناقش فيها، وكذلك خلال مشاركتي في المهرجانات المسرحية في تونس، رأيت شغف الأطفال وحرصهم الدائم لحضور العروض المسرحية مع عائلاتهم، والأجمل أنهم يجيدون التمثيل وتقليد الممثلين، ويصعدون إلى خشبة المسرح لتحيتهم، ختاما نقول إن مسرح الطفل يحتاج منا الكثير من العمل لنشر ثقافته بين الأطفال أولا ثم الكبار.

وفي الإطار ذاته يأتي رأي الفنان المغربي ياسين البوقمحي مدير مهرجان ربيع الأطفال الدّولي فهو يؤكد أن مسرح الطفل هو مجال تعبيري و إبداعي له رهاناته الجمالية و التربوية، التي تجعله محط دراسة و اهتمام من قبل الفاعلين المسرحيين في العالم، وهنا وجب التأكيد على أن أغلب الفاعلين في مسرح الطفل -لا سيما في عالمنا العربي - يراهنون في إنجازهم للعروض على النص المكتوب، لذلك تجدهم منشغلين بالبحث عن نص مسرحي مناسب يحمل في طياته رسائل تربوية وأخلاقية دون إيلاء الأهمية للاشتغال الركحي، خاصة فيما يتعلق بجماليات السينوغرافيا وطابعها المدهش و الوظيفي في نفس الآن. ويضيف البوقمحي: هذا يعود إلى طبيعة ثقافتنا المتوارثة في الوطن العربي المرتبطة بالكلمة، وهنا نرى أن إغفال دور الصورة البصرية في إنتاج عمل مسرحي موجه للطفل هو إغفال لمكون جوهري من شأنه أن يغني الخيال ويمرر الرسائل التربوية و القيم الإنسانية، قد يبتعد البعض عن شد انتباه الطفل من خلال الحركة و اللون و الضوء و قطع الديكور الثابتة و المتحركة، لضعف الإمكانات المادية أو لهشاشة البنية الأساسية، أو ببساطة لعدم وجود وعي بقيمة هذه الصورة جماليا ودلاليا، أو للغلو في المقاربة التجارية لمثل هكذا أعمال أو لمعادلة التأثير والتأثر التي مارسهما المسرح المدرسي على مسرح الطفل حين صدر له مجموعة من الخصائص المرتبطة بالفقر والبساطة وعدم التخصص.

ويؤكد البوقمحي أن مسرح الطفل يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى جهد مادي وفكري جبار لبلوغ المنجز المسرحي الحقيقي الموجه للصغار وتوفير قدر لازم من مسرحة مبتكرة وجمالية كفيلة بتفعيل أبعاد بصرية ومادية منشئة لصورة متكاملة، تنقل الطفل إلى الحلم المبهر المتضمن لأهداف بيداغوجية عامة، ولا عيب في هذا السياق من توظيف المخرج لتقنيات الفيديو وباقي المكملات الرقمية الحديثة. لأن السينوغرافيا المعاصرة هي إبداع خاص، يراهن على تحفيز حاسة البصر لتلتقط التفاصيل وتكمل الحكاية النصية التي بدورها يجب أن تبتعد عن الموضوعات السطحية و المستهلكة، مادام طفل اليوم يختلف عن طفل الأمس من حيث الاهتمام و الانشغال و الطموح، وهنا تحديدا يتجلى رهان الفاعلين المسرحيين من مؤلفين و مخرجين ومصممي السينوغرافيا والموسيقى، حتى يتعود الطفل على الاستئناس بالأثر البصري للحكاية المعروضة، لا بالحكاية في حد ذاتها، و في ذلك احترام لذكائه و لقدرته على تطوير ملكاته، وستتبلور المسألة أكثر إذا انتعش المسرح في أوساط المدارس و أصبح طقسا فرجويا دوريا.

أخيرا في الشأن ذاته يقول الممثل المسرحي بفرقة مزون المسرحية عبد الله بن سلام البوسعيدي: قد يصعب تأطير مسرح الطفل عن بعد، سواء تعلق الأمر بالتعريف أو بالرحلة الشاقة التي تنطلق من ميكانيزمات كتابة نص مسرح الأطفال وصولا إلى صياغة العمل الفرجوي.

ويضيف البوسعيدي: قد نلامس هذا الإشكال من خلال الخبرة التي راكمتها من المشاركات في المهرجانات الدولية لمسرح الطفل من داخل سلطنة عمان أو من خارجها، والتي أبانت عن الصعوبات التي تعترض ممارسي هذا النوع من المسرح كتابة وإخراجا في صناعة عمل يتوق إلى تهذيب وتخليق ملكات الناشئة، فالكتابة المسرحية فن من الفنون التي لها قواعدها العامة الثابتة وخطوطها الأساسية التي يجب أن تتوافر كلها في النص المسرحي. فالتأليف المسرحي أصبح صنعة من يمتلك مقوماتها وشروطها ومعاييرها الخاصة، ولديه رسالة تربوية يستطيع أن يبدع في هذا المجال.

ويقول البوسعيدي: يتصل التأليف المسرحي في بادئ الأمر بكاتبه الذي يجب أن تكون له صفات خاصة حتى يطلق عليه مؤلف مسرحي وليس مؤلفا في المطلق، فعند الحديث عن المؤلف المسرحي ودوره في صياغة العملية الفنية المتمثلة في العرض المسرحي نجد أنه لابد أن تتوافر فيه مجموعة من السمات حتى تكون لديه القدرة على كتابة نص مسرحي، وإذا كان الكتاب والدرس يحققان جزءًا من غايتهما، فإن مسرح الطفل يبلغ غايته حتى أقصاها، لأن المتعلمات والمتعلمين فيه لا يقرؤون عن تجربة فحسب وإنما يعيشون فيها. فهو يمنح الطفل المشارك والمتفرج والمشتغل فرصة العودة إلى التراث أو السفر إلى المستقبل والتنقل بين حالات شعورية مختلفة، ويجد نفسه باحثا في هذا الموضوع أو ذاك دون أن يشعر، وهذا أهم دور تربوي لمسرح الطفل عامة.

ويختتم البوسعيدي قوله: يجب أن يتسم نص مسرح الطفل بعدد من السمات والخصائص التي تجعله مقبولا لدى الأطفال وقادرا على التأثير بهم. الكتابة للأطفال ليست أمرا هينا، فهي أصعب وأكثر تعقيدا من الكتابة للكبار، وذلك لأن العالم العجيب وهو الطفل له خصائصه العقلية والجسدية والنفسية التي يجب أن يراعيها من يريد الإقدام على تجربة الكتابة، وإن الفهم الدقيق لعناصر النص المسرحي كفيل بأن يساعد الكاتب المسرحي للأطفال على وضع قدميه على طريق النجاح.

/العمانية/ النشرة الثقافية / خميس خاطر